Showing posts with label سحر الحقيقة. Show all posts
Showing posts with label سحر الحقيقة. Show all posts

Saturday, August 4, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الثاني- المقطع الرابع




ترجمة
"سحر الحقيقة, كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"
تأليف "ريتشارد دوكنز"

الرسومات التوضيحية  "ديف ماكين"
الفصل الثاني - المقطع الرابع
جولة في الماضي


لنقم بتجربة ذهنية أخرى. اصطحب بعض المرافقين في آلة زمن. أدر المحرك و انطلق 10,000 سنة نحو الماضي. افتح الباب و ألقِ نظرة على الناس الذين ستلقاهم. لو حدث أن هبطت في ما يعرف الآن بالعراق, ستجدهم في خِضَم عملية اختراع الزراعة. في معظم الأماكن الأخرى سيكونوا بدائيين , يرتحلون من مكان إلى الآخر, يصطادون حيوانات برية و يجمعون التوت و الجوز و الجذور.  سيكون حديثهم غير مفهوم و ستكون ملابسهم (إن كانوا يرتدون ملابس)غير تقليدية. على الرغم من ذلك, لو كسوتهم بملابس عصرية و منحتهم قصات شعر حديثة لن تستطيع تمييزهم عن البشر المعاصرين ( أو على الأقل لن يختلفوا عنهم إلا بقدر ما يختلف البشر المعاصرين عن بعضهم البعض). و سيكونوا مهيئين تماماً للتناسل مع البشر المعاصرين الذين يرافقونك على متن آلتك الزمنية.




الآن انتق متطوعاً من بينهم ( ربما كان سلفك ال 400, لأن هذا هو الوقت التقريبي الذي عاصره) و انطلق مجدداً بآلتك الزمنية متوغلاً 10,000 سنة أخرى: أي ما يسبق وقتنا الحالي ب20,000 سنة حيث ربما حظيت بفرصة لقاء سلفك ال 800. هذه المرة كل من تراهم سيكونون بدائيين. لكن, مرة أخرى أجسادهم تماماً كأجساد البشر المعاصرين, و مرة أخرى سيكونوا قادرين على التناسل مع البشر المعاصرين و انجاب أطفال يتمتعون بالخصوبة. خذ أحدهم معك في آلة الزمن, و انطلق 10,000 سنة أخرى نحو الماضي. استمر بفعل ذلك, قافزاً في كل مرة 10,000 سنة نحو الماضي, و في كل مرة قف و اصطحب مسافراً أو مسافرة جديداً و خذه(ا) نحو الماضي.

ما يهمنا في النهاية أنه بعد الكثير من القفزات التي يبلغ كل منها 10,000 سنة, ربما بعد أن نجتاز عتبة المليون سنة في الماضي, ستبدأ ملاحظة أن الأناس الذين تلتقي بهم بعد أن تخرج من آلة الزمن مختلفين عنا تماماً, و غير قادرين على التناسل مع المرافقين الذين صحبوك في أول الرحلة. لكنهم سيكونوا قادرين على التناسل مع أولئك الذين أضيفوا مؤخراً إلى قائمة المسافرين, و الذين هم قدماء تقريباً بقدرهم.



جدك ال 250,000
(منذ 6,000,000 سنة)
أنا الآن فقط أؤكد على نفس النقطة التي ذكرتها سابقاً - عن كون التغيير التدريجي غير مُدرَك, تماماً كحركة عقرب الساعات في الساعة - لكن عن طريق تجربة ذهنية مختلفة . تلك النقطة تستحق الذكر بطريقتين مختلفتين, لأنها رغم أهميتها فإن البعض يجد صعوبة – بشكل يمكن تفهمه - في تقبلها.
لنستكمل رحلتنا في الماضي و نتوقف عند بعض المحطات في طريقنا نحو تلك السمكة الجميلة. لنفترض أننا وصلنا بآلتنا الزمنية إلى المحطة المعنونة ب’ 6,000,000 سنة ماضية. ماذا سنجد هناك؟ بفرض أننا كنا في أفريقيا, فإننا سنجد أسلافنا من الجيل ال 250,000 (زد أو انقص عدة أجيال). إنهم قرود, و ربما بدوا أشبه بالشيمبانزي لكنهم ليسوا شيمبانزي. في الحقيقة, سيكونون السلف المشترك بيننا و بين الشيمبانزي. سيكونون مختلفين عنا لدرجة أنه سيستحيل التزاوج بيننا. و مختلفين عن الشيمبانزي لدرجة أنه سيستحيل التزاوج بينهما أيضاً. لكن سيمكنهم التزاوج مع المسافرين الذين اصطحبناهم من المحطة 5,990,000 سنة ماضية . و ربما أمكنهم التزاوج مع أولئك من المحطة 5,900,000 سنة ماضية. لكن ربما ليس مع أولئك الذين ينتمون ل4,000,000 سنة ماضية.






جدك ال 1,500,000
(منذ 25 مليون سنة)


لنواصل الآن قفزاتنا ذات العشرة آلاف سنة وصولاً إلى المحطة 25,000,000 سنة ماضية. سنجد هناك سلفك (و سلفي) ال1,500,000 حسب تقديرنا التقريبي. لن يكونوا قروداً, لأن لهم ذيول. سوف نظنهم شيمبانزي لو رأيناهم اليوم, رغم أنهم يَمِتّون بالقرابة للشيمبانزي المعاصر بقدر ما يَمِتّون بالقرابة لنا. رغم كونهم مختلفين عنّا, و غير قادرين على التزاوج معنا أو مع الشيمبانزي المعاصر, فإنهم سيكونون قادرين على التزاوج بكفاءة مع المسافرين معهم الذين انضموا الينا في المحطة (24,990,000 سنة). دائماً تغيير تدريجي, تدريجي.













جدك رقم 7,000,000
(منذ 63,000,000 سنة)




نستمر بالتوغل أكثر فأكثر, 10,000 سنة كل مرة, غير عاثرين على أي تغيير ملحوظ في كل محطة. لنتوقف و نرى من يرحب بنا عندما نصل للمحطة  63,000,000 سنة ماضية. هنا يمكننا أن نصافح ( أو نشد على مخالب؟) سلفنا ال 7,000,000. انهم يشبهون حيوان الليمور – نوع من القرود - أو الجلاجو, و هم بالفعل أسلاف كل الليمور و الجلاجو المعاصر, كم أنهم أسلاف كل الشيمبانزي المعاصر و القرود, و ذلك يشلمنا.
إنهم على درجة قرابة مع البشر المعاصرين تساوي نظيرتها مع الشيمبانزي المعاصر. و هي نفس درجة القرابة مع الليمورأو الجلاجو المعاصر. ليس لهم القدرة على التزاوج مع أيٍ من الحيوانات المعاصرة. لكن على الأرجح سيستطيعون التزاوج مع المسافرين الذين التقطناهم من المحطة 62,990,000 سنة ماضية. لنرحب بهم على متن آلة الزمن و نسرع أكثر نحو الماضي.











جدك ال 45,000,000
(منذ 105,000 سنة) 
  

في المحطة 105,000,000 سنة ماضية سنقابل أسلافنا الذين يسبقوننا ب 45,000,000 جيل.هو سلف مشترك لكل الثدييات المعاصرة ماعدا الجرابيات ( توجد الآن غالباً فقط في أستراليا و القليل في أمريكا) و الحيوانات وحيدة المسلك ( منقار البطة و آكل النمل, يعيشان الآن  فقط في استراليا و غينيا الجديدة). يظهر في الصورة بصحبة طعامه المفضل في فمه, حشرة. إنه على نفس درجة القرابة مع كل الثدييات الحديثة, رغم أنه قد يبدو أقرب شبهاً لبعضهم من الآخرين.
جدك ال 170,000,000
(منذ 310 مليون سنة)
المحطة '310,000,000 سنة ماضية' تقدم لنا السلف 170,000,000. إنها السلف المشترك لكل الثدييات المعاصرة, و كل الزواحف المعاصرة – الثعابين و السحالي و السلاحف و التماسيح – و كل الديناصورات ( و هذا يشمل الطيور, لأن الطيور تطورت من الديناصورات). انها على نفس درجة القرابة من كل تلك الحيوانات المعاصرة, رغم انها تبدو أقرب شبهاً بالسحالي. و ما يعنيه هذا هو أن السحالي تغيرت بمقدار أقل من الثدييات مذاك الحين.
















جدك ال 175,000,000
(منذ 340 مليون سنة)

لقد أصبحنا مسافرو زمن محنَّكين الآن, لن نصبر طويلاً قبل أن نلتقى السمكة التي تحدثت عنها سابقاً. لنتوقف مرة أخيرة قبل النهاية: في المحطة  340,000,000 سنة ماضية, حيث سنقابل سلفنا ال 175,000,000. إنه يبدو أشبه بالسلمندر, و هو سلف مشترك لكل البرمائيات المعاصرة ) السلمندر و الضفادع), و كذلك لكل الفقاريات البرية.


نستمر حتى نصل للمحطة 417,000,000 سنة ماضية حيث تلتقي سلفك ال 185,000,000, السمكة التي أوردناها سابقاً. و من هناك نستطيع أن نتوغل أكثر في الزمن, ملتقين المزيد و المزيد من الأسلاف, و الذين يشملون أنواعاً عديدة من الأسماك ذات الفك, ثم تلك التي لا تمتلك فكاً, ثم..حسناً, ثم تبدأ معارفنا تختفي داخل نوع من ضباب عدم اليقين, لأن أحفوراتنا تبدأ بالنفاذ بوصولنا لتلك الأزمنة السحيقة.





Wednesday, August 1, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الثاني- المقطع الثالث



ترجمة
"سحر الحقيقة, كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"
تأليف "ريتشارد دوكنز"

الرسومات التوضيحية  "ديف ماكين"
الفصل الثاني - المقطع الثالث
تحجر الأحفورات


الآن, كيف لنا أن نعرف الهيئة التي بدا عليها أسلافنا, و كيف نعرف متى عاشوا؟ غالباً من خلال الأحفورات. كل صور أسلافنا التي تضمنها هذا الفصل هي إعادة تشكيل مبنية على الأحفورات و تم تلوينها بمقارنتها مع الحيوانات المعاصرة.
تتكون الأحفورات من صخور. إنها صخور التقطت أشكال حيوانات و نباتات ميتة. لا تتاح للغالبية العظمى من الحيوانات فرصة أن تتحول إلى أحفورات حين تموت. إذا أردت أن تحفظ نفسك كأحفورة, فإن الخدعة تكمن في أن تحرص على أن تُدفن في نوع الطمي أو الطين المناسب, النوع الذي قد يتصلب في النهاية مكوناً
صخراً رسوبياً.
ما الذي يعنيه صخر رسوبي ؟ الصخورعلى ثلاثة أنواع: بركانية, رسوبية, متحولة. سأتجاهل الصخور المتحولة, لأنها في كانت الأصل أحد النوعين الآخرين(بركانية أو رسوبية) ثم تحولت بفعل الضغط و/أو الحرارة. الصخور البركانية كانت في وقت ما ذائبة, كما الحال بالنسبة للحمم الحارة التي تتدفق من البراكين الثائرة الآن, ثم تصلبت في شكل صخور عندما بردت. الصخور الصلبة من أي نوع تتآكل بفعل الرياح أو الماء لتتفتت إلى صخور أصغر, حصى, رمال و تراب. الرمل و التراب يعلق بالماء ثم قد يستقر في طبقات من الترسبات أو الطمي في قاع البحر أو البحيرة أو النهر. بمرور زمن طويل, الترسبات تتصلب مُكوّنةً طبقات من الصخور الرسوبية. على الرغم من أن الطبقات تكون مسطحة و أفقية عندما تنشأ, فإنها و بحلول الوقت الذي نراها فيه بعد ملايين السنين غالباً ما تكون قد تشوهت أو انحرفت أو قُلبت ( لمعرفة كيف يحدث ذلك, طالع الفصل العاشر الخاص بالزلازل).
لنفترض الآن أن حيواناً ميتاً انجرف في الطمي
, في مصب النهر ربما. إذا تصلب الطمي لاحقاً ليصبح صخرة رسوبية, فإن جثة الحيوان قد تتحلل داخل الصخرة المتصلبة تاركةً أثراً غائراً على هيئتها سنجده في نهاية المطاف. هذا أحد أنواع الأحفورات – نوع من الصور السالبة ‘negative’ للحيوان. و قد يشكل هذا الأثر الغائر قالباً تتسرب اليه ترسيبات جديدة, تتصلب فيما بعد مُشَكّلةً صورة موجبة مطابقة للمظهر الخارجي لجسم الحيوان, و هذا نوع ثاني من الأحفورات. و هناك نوع ثالث يتم فيه استبدال ذرات و جزيئات جثة الحيوان, واحدة تلوة الأخرى بذرات و جزيئات المعادن الذائبة في الماء. والتي تتبلر لاحقاً مشكلةً صخوراً. و هذا أفضل أنواع الأحفورات, لأنه و ببعض الحظ, فإن التفاصيل الدقيقة في داخل الحيوان يتم إعادة تشكيلها بشكل يبقى للأبد, و يتم ذلك مباشرةً في قلب الأحفورة.
يمكن حتى للأحفورات أن تُؤرَّخ. يمكننا معرفة عمرها غالباً عن طريق قياس النظائر المشعة في الصخور. سنعرف ما هي النظائر و ما هي الذرات في الفصل الرابع. باختصار, النظائر المشعة هي نوع من الذرات يتحلل ليصير نوعاً آخر من الذرات. على سبيل المثال, أحد هذه النظائر يُدعى يورانيوم-238 يتحول إلى رصاص-206. و لأننا نعلم كم من الوقت تستغرق تلك العملية, يمكننا أن نفكر في النظائر كساعات مشعة. الساعات المشعة هي إلى حد ما شبيهة بساعات الماء و ساعات الشمع التي استخدمها الناس قبل اختراع ساعات البندول. خزان مياه به فتحة في القاع سوف يجف بمعدل محسوب. لو أن الخزان مُلِئَ عند الفجر, يمكنك أن تعرف كم من النهار قد مر بقياس المستوى الحالي للماء. المثل مع ساعات الشمع. الشمعة تذوي بمعدل ثابت, لذا يمكنك معرفة كم من الوقت مر منذ تم إشعالها بقياس طول الشمعة الحالي. في حالة ساعة اليورانيوم-238, فنحن نعرف أن اليورانيوم-238 يستغرق 4.5 بليون سنة ليتحلل نصفه إلى رصاص-206. يسمى هذا
نصف عمر اليورانيوم-238. لذا, بقياس كم الرصاص-206 في الصخرة مقارنةً بكم اليورانيوم-238 يمكننا حساب كم من الوقت مر منذ اللحظة التي لم يكن بها رصاص-206 بالمرة و كان كل ما هناك هو اليورانيوم-238.بعبارة أخرى, كم من الوقت مر منذ تصفير الساعة.
و متى يتم تصفير تلك الساعة؟ حسناً, يحدث ذلك فقط مع الصخور البركانية التي يتم تصفير ساعاتها في اللحظة التي تتصلب فيها الحمم الذائبة لتصير صخوراً. لا يحدث هذا مع الصخور الرسوبية التي ليس لها لحظة صفر, و هذا مدعاةٌ للأسف لأن الأحفورات يمكن العثور عليها فقط في الصخور الرسوبية. لذا فإن الحل يكمن في العثور على صخور بركانية في مكان ما حول الطبقات الرسوبية و استخدامها كساعة. على سبيل المثال, لو أن أحفورة وُجِدت في صخرة رسوبية تعلوها صخرة بركانية عمرها 120 مليون سنة و تسفلها صخرة بركانية عمرها 130 مليون سنة, فستعرف أن هذه الأحفورة عمرها بين ال 120 إلى 130 مليون سنة. بتلك الطريقة تم التوصل لكل التواريخ التي ذكرتها في هذا الفصل. كلها تواريخ تقريبية لا يجوز أخذها على محمل الدقة.
اليورانيوم-238 ليس النظير المشع الوحيد الذي يمكن استخدامه كساعة. هناك المزيد من النظائر و التي تمنحنا مجالاً واسعاً من أنصاف العمر. على سبيل المثال, الكربون-14 له نصف عمر يبلغ 5730 سنة فقط. وهو ما يجعله مناسباً لعلماء الآثار الذين يبحثون في التاريخ الإنساني. من الحقائق الممتعة أن العديد من الساعات المشعة لها نطاقات وقتية متداخلة, لذا أمكن استخدامهم في مواجهة بعضهم البعض للتحقق من دقتهم. و ثبت ذلك في كل مرة.
الكربون-14 يعمل بطريقة تختلف عن الآخرين لا تتمحور حول الصخور البركانية و إنما حول رفات الكائنات الحية نفسها, الخشب العتيق على سبيل المثال. إنه أحد أسرع الساعات المشعة التي نعرفها. لكن 5730 سنة لازالت فترة أطول بكثير من العمر البشري, لذا ربما تساءلت كيف تأتّى لنا أن نعرف أن هذا هو نصف عمر الكر
بون-14. ناهيك عن كيفية معرفتنا بأن نصف عمر اليورانيوم-238 هو 4.5 بليون سنة! الإجابة سهلة. ليس علينا أن ننتظر تحلل نصف الذرات. نستطيع أن نقيس معدل تحلل نسبة ضئيلة من الذرات ثم نحسب نصف العمر, ربع العمر أو 1/100  من العمر, و هكذا.

Tuesday, July 31, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الثاني- المقطع الثاني


ترجمة
"سحر الحقيقة, كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"
تأليف "ريتشارد دوكنز"

الرسومات التوضيحية  "ديف ماكين"
الفصل الثاني - المقطع الثاني
من كان أول البشر "فعلاً" ؟


ربما فاجأك هذا, لكن لم يكن هناك أبداً أول إنسان. لأن كل شخص حتماً له والدين, و هذان الوالدان لابد أن يكونا بشراً أيضاً. المثل مع الأرانب. لم يكن هناك أبداً أول أرنب, ولا أول تمساح, ولا حتى أول يعسوب. كل كائن وُلِد يوماً كان من نفس نوع والديه ( ربما كان هناك بعد الاستثناءات القليلة التي سأتجاهلها هنا). و بالتالي كل كائن وُلِد يوماً كان من نفس نوع أجداده. و أجداد أجداده. و أجداد أجداد أجداده. و هلُمَ جرا حتى الأبد.
حتى الأبد؟ حسناً. لا, ليس الأمر بهذه البساطة. هذا سيتطلب بعض الشرح, و سأبدأ بتجربة ذهنية. التجربة الذهنية هي تجربة تجري في مخيلتك. ما سنقوم بتخيله هو حرفياً غير ممكن لأنه سيأخذنا نحو حقب زمنية موغلة في القدم, قبل أن نولد بكثير.لكن استحضارها في مخيلاتنا سيعلّمنا شيئاً هاماً. لذا, إليك تجربتنا الذهنية. كل ما عليك فعله هو أن تتخيل نفسك متًّبعاً تلك الإرشادات.
=اجلب صورتك الشخصية. ثم خذ صورة لوالدك و ضعها فوقها. ثم صورة لوالد والدك, جدك. ثم ضع فوق ذلك صورة لوالد جدك, جدك الأكبر. ربما لم يحدث أبداً أن قابلت أياً من آباء أجدادك. أنا لم أحظَ بتلك الفرصة أيضاً, لكني أعرف أن أحدهم كان مديراً لمدرسة قروية, و أحدهم طبيباً قروياً, و الآخر مراقباً للغابات في الهند البريطانية, و رابعهم كان محامياً مات بينما كان يتسلق الصخور في سن متقدمة. حتى لو لم تكن تعرف كيف كان يبدو والد جدك, مازال بإمكانك أن تتخيله في صورة ضبابية, ربما كصورة بنية باهتة في حافظة جلدية. الآن افعل المثل مع والده, جد جدك. استمر في تكديس الصور بعضها فوق بعض, متوغلاً في القِدَم نحو المزيد و المزيد من أجداد الأجداد. يمكنك فعل هذا حتى لو تعديت زمن اختراع التصوير: هذه تجربة ذهنية على أي حال.
كم من الأسلاف سنحتاج في تجربتنا الذهنية؟ حسناً, مجرد 185 مليون سَيَفونَ بالغرض!
ليس من السهل تخيل كومة من 185 مليون صورة. كم سيبلغ ارتفاعها؟ حسناً, لو أن كل صورة تمت طباعتها كصورة بطاقة بريدية عادية, فإن 185 مليوناً منها ستُشَكِّل برجاً بارتفاع 16,000 قدم. هذا يمثل أكثر من 40 من ناطحات سحاب نيويورك موضوعة بعضها فوق بعض. طويلة لدرجة أنه يصعب صعودها, ناهيك عن امكانية سقوطها (و هو ما سيحدث). لذا دعنا نميلها بحرص على جانبها, و نضع الصور بطول رف كتب وحيد.
كم سيبلغ طول هذا الرف؟ حوالي ثلاثة أميال.
الطرف الأقرب لرف الكتب هو صورتك, و الطرف الأبعد هو صورة لسَلَفك ال185 مليون. كيف كان يبدو؟ رجل مسن ذو شعر أشعث و لحية بيضاء؟ رجل كهف متدثر بجلد نمر؟ انس هكذا أفكار. نحن لا نعلم كيف كان يبدو بالتحديد, لكن الأحفورات منحتنا تصوراً جيداً. سَلَفَك ال185 مليون بدا هكذا -----------------------------------------------------
<


نعم, هذا صحيح, جدك ال185 مليون كان سمكة. و بالمثل كانت جدتك ال 185 مليون. و هذا منطقي و إلا لما أمكنهم التناسل و لما كنت هنا الآن.
لنمشي الآن بطول رف الصور الذي يبلغ طوله ثلاثة أميال, نستخرج الصور واحدةً تلو الأخرى و ننظر إليها. كل صورة تظهر مخلوقاً ينتمي لنفس النوع في الصورتين السابقة و التالية لها. كل واحدة تبدو تماماً كَجارَتَيّها في الصف – أو على الأقل بنفس مقدار الشبه بين أب و ابنه. على الرغم من ذلك لو مشيت مباشرةً من أحد طرفي الرف إلى الطرف الآخر, ستجد بشرياً عند أحدهم و سمكة عند الآخر. و كثير من الأسلاف الآخرين المثيرين للإهتمام فيما بينهما, و هم كما سنرى قريباً يتضمنون بعض الحيوانات التي تبدو كالقرود, آخرين يبدون كالسعدان, و البعض الآخر يبدو كالزبابة – حيوان قارض -, و هكذا. كل منهم يبدو كجارَيه في الصف, لكن لو حدث أن التقطت صورتين من مكانين متباعدين في الصف ستبدوان مختلفَتَيّن جداً, و إذا تتبعت الصف بدءاً من البشر متوغلاً في الزمن بشكلٍ كافٍ, ستنتهي إلى سمكة. كيف لهذا أن يحدث؟
في الحقيقة, ليس استيعاب الأمر بهذه الصعوبة. فنحن معتادون إلى حد كبير على قدرة التغييرات التدريجية خطوة صغيرة بخطوة, واحدة تلو الأخرى على إحداث تغيير كبير. كنت رضيعاً في وقت ما و لم تعد كذلك الآن. و عندما يتقدم بك العمر كثيراً سيتغير مظهرك مجدداً. على الرغم من ذلك, عندما تصحو من نومك كل يوم فأنت الشخص ذاته الذي كنته الليلة الفائتة. الرضيع يكبر ليتعلم المشي, ثم يكون طفلاً, ثم مراهقاً, ثم شابأ صغيراً, ثم شاباُ يافعاً, ثم كهلاً بعد ذلك. و التغيير يتم بشكل تدريجي. ليس باستطاعتك يوماً أن تقول " هذا الشخص توقف فجأةً عن كونه رضيعاً و أصبح طفلاً". لم يحدث أن قلت ذات يوم: "بالأمس كان ذلك الرجل يافعاً, و الآن صار مسناً".
هذا يساعدنا على فهم تجربتنا الذهنية التي تأخذنا إلى الخلف 185 مليونأ من الأجيال عبر أسلاف الأسلاف وصولاً إلى سمكة. و قد نعكس الإتجاه متقدمين في الزمن, و هو ما حدث عندما قام سلفك سَمَكيّ الصفات بإنجاب طفل سَمَكيّ الصفات, الذي أنجب بدوره طفلاً سَمَكيّ الصفات, والذي أنجب بدوره طفلاً...و هكذا, 185 مليون (بالتدريج أقل سَمَكيّة) جيلاً. انتهت إليك.
إذا فقد كان الأمر تدريجياً جداً – تدريجي لدرجة أنك لن تلحظ فارقاً إذا عدت ألف سنةٍ إلى الوراء. و حتى عشرة آلاف سنة, و هو ما يعني أنك عدت 400 جيل من أسلافك. أو بالأحرى, سوف تلاحظ العديد من التغييرات الطفيفة على طول الطريق, لأنه لا أحد يبدو كوالده تماماً. لكنك لن تلحظ توجهاً عاماً. عشرة آلاف عام من الزمن سابقة للبشر الحاليين ليست كافية لتظهر توجهاً. صورة سلفك الذي ينتمي لعشرة آلاف سنة فائتة لن تختلف عن البشر الحاليين, بالطبع لو استثنينا الاختلافات الظاهرية في شكل الملابس و الشعر و اللحية. لن يختلف عنّا إلا بمقدار ما يختلف بعض البشر الحاليين عن البعض الآخر.
ماذا عن مائة ألف سنة, حيث ستقف إزاء سلفك الذي سبقك ب 4000 جيل؟ حسناً, الآن قد يكون هناك تغييراً ملحوظاً. ربما ازدياد طفيف في سماكة الجمجمة, خاصة تحت الحواجب. لكنه سيظل فقط طفيفاً. لنعُد الآن أكثر في الزمن. لو أنك تجاوزت المليون سنة الأولى في الرف, فإن صورة سلفك الذي سبقك ب 50000 جيل ستكون مختلفة بالقدر الذي يمكننا من تصنيفها كنوع مختلف. النوع الذي نسميه “Homo Erectus”. البشر اليوم كما تعلم معروفون بال “Homo Sapiens”. “Homo Erectus”و“Homo Sapiens” لن يتمكنوا في الغالب من التناسل معاً. و حتى لو أمكن ذلك, لن يتمكن طفلهما من الإنجاب – بنفس الشكل التي لا يتمكن به البغل تقريباً في كل الأحوال من التكاثر(سنرى التبرير في الفصل القادم), و البغل الذي هو نتيجة تزاوج حمار و فرسة.


مرةً أخرى, كل شيء تدريجيّ. أنت “Homo Sapiens”و سلفك الذي يسبقك ب 5000 جيل كان “Homo Erectus”. لكن لم يحدث أبداً أن قام أحد ال “Homo Erectus”فجأة بإنجاب طفل من ال“Homo Sapiens”.
لذا فإن سؤال "من كان أول البشر و متى عاش؟" ليس له إجابة محددة. إنها إجابة غامضة نوعاً ما, مثل إجابة سؤال " متى توقفت عن كونك رضيعاً و أصبحت طفلاً؟". في نقطةٍ ما, ربما منذ أقل من مليون سنة لكن أكثر من مائة ألف سنة, كان أسلافنا مختلفين عنّا لدرجة أن شخصاً معاصراً لن يكون بإمكانه أن يتناسل معهم لو حدث أن التقوا.
ما إذا كان بمقدرتنا أن ندعو ال“Homo Erectus” بشراً هو سؤال مختلف. إنه سؤال يتمحور حول كيفية استعمالك للمفردات – سؤال عن دلالات الألفاظ. ربما يحلو لبعض الناس الناس تسمية الحمار الوحشي بالحصان المخطط, لكن البعض الآخر قد يفضل أن يحتفظ بالإسم "حصان" خاصاً بالنوع الذي نمتطيه. هو مجرد سؤال آخر عن دلالات الألفاظ. قد تفضل الإحتفاظ بكلمات "شخص", "رجل" و "امرأة" لتطلقها على ال“Homo Sapiens”. هذا يعود لك. لكن لا أحد سيرغب بإطلاق لفظة "رجل" على سلفك السمكي الذي سبقك ب 185 مليون جيل. سيكون ذلك سخيفاً, حتى لو كان هناك سلسلة متصلة تصلكما و كانت كل حلقة من تلك السلسة هي من نفس النوع الذي تنتمي إليه جارتيها السابقة و اللاحقة.

Wednesday, July 25, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الثاني- المقطع الأول

ترجمة
"سحر الحقيقة, كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"
تأليف "ريتشارد دوكنز"

الرسومات التوضيحية  "ديف ماكين"
الفصل الثاني - المقطع الأول
من كان أول البشر؟


معظم فصول هذا الكتاب تم عنونتها بسؤال. قصدت بذلك أن أجيب عن السؤال أو على الأقل أعطي أفضل إجابة ممكنة, إجابة العلم. لكني عادةً ما أبادر بإجابة أسطورية لأنها تبدو أكثر إثارةً و جذباً, و لأن الناس على مر العصور آمنت بها. بعضهم لا يزال.
كل الشعوب في أرجاء العالم لديها أساطير نشأة تفسر من أين أتى البشر. العديد من أساطير النشأة عند القبائل تقتصر في حديثها على تلك القبائل بالذات كما لو أنه ليس هناك قبائل أخرى! بنفس الطريقة, العديد من القبائل لديها قاعدة تنص على عدم جواز قتل الناس, لكن اتضح أن "الناس" تعني فقط الآخرين من أبناء قبيلتك. قتل أبناء القبائل الأخرى لا بأس به!

إليك أسطورة نشأة نموذجية ترجع لمجموعة من سكان تسمانيا الأصليين. إله يُدعى "مُويني" لحقت به الهزيمة من قِبَل إله منافس يُدعى "درومردينر" بعد معركة مريرة جرت بين النجوم. مُويني هوى نحو تسمانيا ليموت. أراد قبل موته أن يبارك مثواه الأخير, لذا قرر أن يخلق البشر. لكنه كان في عجلةٍ من أمره لعلمه بأنه يموت لدرجة أنه نسي أن يخلق للبشر رُكَب. و في لحظة غاب فيها ذهنه ( لانشغاله بورطته بلا شك) خلق للبشر ذيولاً طويلة كالكنجارو, مما يعني أنهم لن يستطيعوا الجلوس, ثم مات. عانى الناس من ذيول الكنجارو خاصتهم و عدم امتلاكهم لرُكَب. و جأروا بالشكوى للسماء لتساعدهم.
            درومردينر العظيم, الذي كان لا يزال يجوب السماء صاخباً مستعرضاً انتصاره سمع شكواهم و هبط إلى تسمانيا ليستطلع الأمر. أشفق على الناس, و من ثم منحهم رُكَباً قابلة للطي و قَطَع ذيول الكنجارو غير المريحة ليتمكنوا من الجلوس في النهاية. و عاشوا بسعادة بعد ذلك.
من حين لآخر نعثُر بنسخة مختلفة من ذات الأسطورة. ليس ذلك مُستَغرباً لأن الناس يميلون عادةً لتعديل التفاصيل بينما يحكون القصص حول نار المخيم, لذلك تتباعد النسخ المحلية من ذات القصة. في رواية أخرى من تلك الأسطورة التسمانية, مويني خلق أول انسان في السماء,اسمه بارليفر. بارليفر لم يستطع الجلوس لامتلاكه ذيل كنجارو و رُكَباً غير قابلة للطي. كما في السابق, الإله البارز المنافس درومردينر أتى لإنقاذ الموقف. منح بارليفر رُكَباً مناسبة و قطع ذيله, مداوياً الجرح بالشحم. بارليفر هبط لاحقاً إلى تسمانيا متخذاً الطريق السماوي ( درب اللبانة).

كان للقبائل العبرانية في الشرق الأوسط إله وحيد نظروا إليه باعتباره الأعظم بين آلهة القبائل المنافسة. كان له عدة أسماء, لم يكن مسموحاً لهم التلفظ بأحدها.خلق ذلك الإله أول انسان من تراب و أسماه آدم ( و الذي يعني "رجل"). تعمد ذلك الإله أن يخلق آدم على صورته. في الحقيقة, معظم الآلهة على مر التاريخ تم تمثيلها على هيئة رجال (و أحياناً نساء), لكن غالباً بحجم أكبر و دائماً بقدرات فوق طبيعية.
أسكن الرب آدم في جنة جميلة تُسَمَّى عدن عامرة بالأشجار التي سُمِحَ لآدم أن يأكل من ثمارها مع استثناء وحيد. الشجرة المُحَّرمة كانت "شجرة معرفة الخير و الشر", ترك الربُ آدمَ واثقاً من أنه لن يقرب ثمارها.
أدرك الإله لاحقاً أن آدم قد يحس بالوحدة و أراد أن يتصرف إزاء ذلك. وفي تلك النقطة – كما في قصة درومردينر و مويني – هناك نسختين من الأسطورة, كلتاهما وردت في سِفر التكوين. في النسخة الأكثر تشويقاً, خلق الرب كل الحيوانات مُسَخَّرين لآدم, ثم لاحظ أن شيئاً ما لا يزال مفقوداً. امرأة! لذا أعطى آدم مُخًّدِراً عاماً, قام بفتح شق و انتزع أحد الأضلاع ثم خاطه مجدداً. قام بعدها بتنشئة امرأة من ذلك الضلع. أسماها حواء و قدمها لآدم كزوجة.
لسوء الحظ, كان هناك ثعبان شرير في الجنة, اقترب من حواء و أقنعها أن تعطي آدم ثمرة شجرة معرفة الخير و الشر المحرمة. آدم و حواء أكلا الثمرة فأدركا في التو حقيقة أنهما عاريين.
أربكهما ذلك فصنعا لنفسيهما ازارين من أوراق التين. عندما رأى الرب ذلك غضب جداً  لأنهما أكلا الثمرة و اكتسبا المعرفة – و خسرا براءتهما, كما أعتقد -. طردهما من الجنة و حكم عليهما و على نسلهما بحياة الشقاء و الألم. حتى اليوم, فإن الكثير من الناس ما زالوا يأخذون القصة السيئة لعصيان آدم و حواء على محمل الجد تحت اسم "الخطيئة الأصلية". حتى أن بعض الناس يعتقدون أننا ورثنا تلك " الخطيئة الأصلية" عن آدم و أننا مشاركون في الإثم ( على الرغم من أن العديد منهم يعترف أن آدم شخصية غير حقيقية بالأساس!).

الشعوب الشمالية التي تقطن اسكندنافيا المعروفون ب"بحارو الفايكنج" عبدوا العديد من الآلهة شأنهم شأن الاغريق و الرومان. اسم إلههم الرئيسي كان "أودين", و أحياناً كان يُدعى ب "ووتان" أو "وودن". و هو أصل كلمة "Wednesday". (“Thursday” ترجع إلى إله شمالي آخر “Thor”, إله الرعد الذي اعتاد توليده بمطرقته الهائلة.)
في ذات يوم كان أودين يمشي على الشاطيء بصحبة اخوته الذين كانوا آلهةً بدَوّرهم
فوجدوا جذعي شجر. قاموا بخلق أول رجل من جذع الشجرة الأول و أسموه "آسك", و حوَّلوا الجذع الثاني إلى أول امرأة و أسموها "امبلا". بقيامهم بخلق أول رجل و امرأة, قامت الآلهة أخوة "أودين" بنفث الحياة فيهما, ثم تلوا ذلك بمنحهما الوعي و الوجوه و القدرة على الحديث.
أتساءل لماذا جذوع الأشجار؟ لماذا ليست رقاقات الثلج أو كثبان الرمال؟ أليس من المدهش أن نتساءل من اختلق تلك القصص و لماذا؟ هل نفترض أن المختلقين الأوائل لهذه الأساطير علموا بأنها خيالية لحظةَ اختلقوها؟ أم هل تظن أن أناساً مختلفين ينتمون إلى أزمنة و أماكن مختلفة اختلقوا أجزاءً متعددة من القصص كل على حدة, ثم قام أناسٌ آخرين بتجميع أجزاء القصة في وقت لاحق بعد تعديل بعضها غير مدركين أن تلك الأجزاء هي في الأصل مختلقة؟

القصص شيءٌ رائع و كلنا يستمتع بترديدها. لكن عندما نسمع قصة مبهجة, سواءً كانت أسطورة قديمة أو خرافة حديثة انتشرت عبر الانترنت, فانه حريٌ بنا أن نقف و نتساءل ما إذا كانت القصة – أو أي جزء منها – حقيقي. لذا لنسأل أنفسنا هذا السؤال – من كان أول بشري؟ - و لنلقِ نظرة على الإجابة العلمية الصحيحة.

Monday, July 9, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الأول - المقطع الرابع و الأخير

ترجمة
"سحر الحقيقة, كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"
تأليف "ريتشارد دوكنز"

الرسومات التوضيحية  "ديف ماكين"
الفصل الأول - المقطع الرابع و الأخير
السحر الهاديء للتطور

إن تحويل كائن مُعقّد الى كائن مُعقّد آخر في خطوة وحيدة – كما في القصص الخيالية – لهو بالفعل ضربٌ من الخيال. لكن تلك الكائنات المُعقّدة موجودة بالفعل. كيف نَشَأَت؟ كيف استطاعت كائنات معقّدة كالضفادع و الأسود, السعدان (البابون) و أشجار أثاب, الأمراء و اليقطينات, كائنات مثلك و مثلي أن تبرز إلى الوجود؟ ظل هذا السؤال مُحيّراً حتى وقتٍ قريب. فلم يستطع أحد أن يجيب عنه بشكل صحيح. لذلك اختلق الناس قصصاً مُحاولين الاجابة عنه. لكن السؤال أُجيب عنه لاحقاً – و ببراعة - في القرن التاسع عشر بواسطة أحد أعظم العلماء الذين شهدتهم الحياة, شارلز داروين. سأستغل باقي هذا الفصل لشرح اجابته بشكل مختصر و بأسلوب يختلف عن 
ذلك الذي انتهجه داروين نفسه.

الإجابة هي أن الكائنات المُعَقَّدة كالإنسان, والتماسيح وحتى القنبيط لم تنشأ فجأة. و إنما بالتدريج, خطوة صغيرة تتلوها أخرى بحيث يختلف بشكل ضئيل للغاية ما كان هناك بعد كل خطوة عمّا كان عليه قبلها. تخيل أنك أردت أن تُنشيءَ ضفدعاً بأرجلٍ طويلة. ربما تكون انطلاقة طيبة أن تبدأ بشيءٍ لا يختلف كثيراً بالفعل عن ما أردت الإنتهاء إليه: لنَقُل ضفدعاً بأرجلٍ قصيرة. ستتفحص ضفادعك قصيرة الأرجل و تقيس أطوال أرجُلِها. ثم تنتقي بعض الذكور و الإناث الذين يمتازون عن المجموع بأرجُل أطول قليلاً. زاوِجهم بينما تمنع أقرانهم من التزاوج نهائياً. الذكور و الإناث ذوي الأرجل الأطول ستنتج شراغفاً تنمو أرجلها لاحقاً لتصير ضفادع. قُم بعدها بقياس هذا الجيل الجديد من الضفادع و مجدداً انتقِ الذكور و الإناث ذوي الأرجل التي يزيد طولها عن المتوسط, و دعهم يتزاوجون معاً.   

بتكرار ذات الفعل لعشرة أجيال ربما تبدأ بملاحظة شيء مثير للاهتمام. متوسط طول الأرجل لمجموعة الضفادع خاصتك سيكون أكبر بشكل ملحوظ عن ذلك الخاص بالمجموعة الإبتدائية. ربما حتى وجدت أن كل الضفادع من الجيل العاشر لديها أرجل أطول من أي من تلك التي تنتمي للجيل الأول. ربما لا تكفي عشرة أجيال لتحقيق ذلك: ربما تُضطر للمتابعة لعشرين جيلاً و ربما أكثر. لكن يمكنك في النهاية أن تقول بفخر " لقد أنشأت نوعاً جديداً من الضفادع ذو أرجل أطول من تلك التي حازها النوع القديم".

لم تكن هناك حاجة لصولجان أو أي نوع من السحر. ما قمنا به هنا هو عملية تدعى "التربية الانتقائية". وهي عملية تستفيد من حقيقة أن الضفادع تتنوع فيما بينها و هذه التنوعات يتم توارثها –  بمعنى آخر, تمريرها من الآباء للأبناء عبر الجينات -. ببساطة نستطيع انشاء نوع جديد من الضفادع عن طريق تحديد أيها يتزاوج و أيها لا يفعل.

الأمر بسيط. أليس كذلك؟ لكن قيامنا بإطالة الأرجل ليس بالشيء المبهر. لقد بدأنا بضفادع على أية حال – فقط كانت ضفادع قصيرة الأرجل - . لنفترض أنك عِوضاً عن البدء بنوعية قصيرة الأرجل من الضفادع, فإنك بدأتَ بما ليس ضفدعاً على الإطلاق. لنقل شيئاً أقرب إلى السلمندر المائي. أرجُل السلمندر قصيرة للغاية إذا قورِنَت بأرجل الضفادع (أرجُل الضفادع الخلفية على الأقل), و يستخدمها السلمندر للمشي و ليس للقفز. كما أن للسلمندر ذيل طويل, بينما ليس للضفادع ذيل على الإطلاق. و السلمندر إجمالاً أطول و أنحف من معظم الضفادع. لكن بإمكانك في خلال عدة آلاف من الأجيال تحويل تجمعٍ من أفراد السلمندر إلى تجمعٍ من الضفادع, ببساطة عبر إنتقاء ذكور و إناث السلمندر التي تحمل صفات أقرب للضفادع في كل جيل و السماح لها بالتزاوج معاً, بينما تمنع أقرانها التي لا تحمل تلك الصفات من ذات الفعل. لن ترى أي تغيير بارز خلال أي مرحلة من تلك العملية. كل جيل سيشبه سابقه بشكل كبير. على الرغم من ذلك, بمجرد مرور عدد كافي من الأجيال ستلحظ أن متوسط الذيل قد صار أقصر قليلاً و متوسط الأرجل الخلفية قد صارت أطولَ قليلاً. بمرور عدد كبير جداً من الأجيال ستجد أن الأفراد ذوي الأرجل الأطول و الذيول الأقصر قد بدأوا في استخدام أرجلهم الطويلة للقفز و ليس للزحف, و هكذا.

بالطبع في السيناريو الذي وصفته للتو, تخيلنا أنفسنا كَمُرَبِّين نقوم بإنتقاء الإناث و الذكور الذين نسمح لها بالتزاوج كي نحقق نتيجة نهائية اخترناها مسبقاً. قام المزارعون بتطبيق هذا الأسلوب لآلاف السنين للحصول على ماشية و محاصيل ذات انتاجية أعلى أو مقاومة أكبر للأمراض, و هكذا. داروين كان أول من أدرك أن هذا الأسلوب يعمل حتى لو لم يكن هناك مُربِّي يقوم بالإنتقاء. داروين رأى أن الأمر كله سيتم بدون تدخل خارجي لسبب بسيط. و هو أن بعض الأفراد أقدر على البقاء فيتكاثرون, بينما الآخرين لا يفعلون.و هؤلاء الذين يعيشون  لفترة أطول يمكنهم ذلك لأنهم مُعَدُّون بشكل أفضل من الآخرين. يرث أطفال الناجين الجينات التي سمحت لآبائهم بالنجاة. سلمندراً كانت أو ضفادع, قنافذاً كانت أو هندباء, سيكون هناك دائما أفراداً أقدر على البقاء من غيرهم. لو تصادف كون الأرجل الطويلة مفيدة ( سامحةً للضفادع بالهروب من الخطرعلى سبيل المثال, أو معينةً للفهود في اصطياد الغزلان, أو للغزلان للهروب من الفهود), فإن ذلك سيقلل احتمالات موت الأفراد ذوي الأرجل الأطول و سيكون من المرجح أنها ستعيش طويلاً لتتكاثر. أيضاً, فإن المزيد من الأفراد المتاحين للتكاثر سيكونون من ذوي الأرجل الطويلة. و بالتالي ستكون هناك فرصة أكبر لتمرير جينات الأرجل الأطول من كل جيل إلى الجيل الذي يليه. بمرور الوقت سنجد أنه هناك المزيد و المزيد من الأفراد في تلك المجموعة لديهم جينات للأرجل الطويلة. و لذا سيكون التأثير بالضبط كما لو أن مصمماً ذكياً – كالمُرَبِّي البشري – قد انتقى أفراداً ذوي أرجلٍ طويلة للتزاوج. ماعدا أنه ليست هناك حاجة لمصمم كهذا: كل شيء يحدث بشكل طبيعي, بدون تدخل, كنتيجة منطقية لأن البعض يبقى لفترة أطول ليتكاثر بينما البعض الآخر لا يفعل. ولهذا السبب تُسمَّى تلك العملية "الإنتقاء الطبيعي".
بفرض مرور عدد مناسب من الأجيال, يمكن للسلمندر أن يتطور إلى ضفدع. و بمرور عدد أكبر من الأجيال يمكن للأسلاف التي تشبه الأسماك أن تتطور إلى أحفاد تبدو كالقرود. بل أنه بمرور عدد أكبر و أكبر من الأجيال يمكن للأسلاف التي تشبه كالبكتيريا أن تتطور إلى بشر. و هذا ما حدث بالضبط. هذا هو الشيء الذي وقع تاريخياً لكل حيوان أو نبات عاش على ظهر الأرض. عدد الأجيال اللازم أكبر مما يكمنك أو يمكنني تخيله, لكن العالم يربو عمره على آلاف ملايين السنين, و نحن نعرف من الحفريات أن الحياة بدأت منذ أكثر من 3500 مليون (3.5 بليون) سنة, لذا كان الوقت أكثر من كافي لحدوث التطور.

تلك هي فكرة داروين العظيمة, "التطور عن طريق الإنتقاء الطبيعي". إنها أحد أهم الأفكار التي وردت على عقل بشر.  إنها تفسر كل ما نعرفه عن الحياة على ظهر البسيطة. نظراً لمدى أهميتها سأعرِّج عليها مجدداً في فصول لاحقة. يكفي الآن أن نفهم أن التطور بطيء جداً و تدريجي. في الحقيقة, تدرج التطور هو المسؤول عن خروج نتائج معقدة كالأمير و الضفدع. في القصص السحرية, التحول من ضفدع إلى أمير ليس تدريجياً بل مفاجيء, و هو ما يجعل مثل هذه الأمور غير واقعية بالمرة. التطور هو تفسير واقعي يعمل بالفعل و يمتلك الأدلة التي تبرهن على صحته. أي تفسير يفترض أن أشكال الحياة المعقدة قد ظهرت فجأة ( بدلاً من تطورها تدريجياً خطوة بخطوة) هو تفسير كسول لا يختلف في شيء عن التفسير السحري الخيالي لتلويحة عصا العرابة.

بالنسبة لليقطينات التي تتحول إلى عربات, فإن التعويذات السحرية كتفسير هي على نفس الدرجة من عدم الواقعية كما هو الحال بالنسبة للأمراء و الضفادع. العربات لا تتطور – على الأقل ليس بالشكل الطبيعي المتاح للأمراء و الضفادع -. لكن العربات كما هي خطوط الطيران,المعاول, الحواسيب و نصال الأسهم, كلها من صنع البشر الذين تطوروا طبيعياً بالفعل. العقول و الأيدي البشرية تطورت بفعل "الانتقاء الطبيعي", كما تطورت ذيول السلمندر و أرجل الضفادع. أضحت العقول البشرية بفعل تطورها قادرة على تصميم العربات, السيارات, المقصات, السيمفونيات, الغسالات و الساعات. دعوني أقولها مرةً أخرى, لا سحر. مرة أخرى, لا تحايل. مرة أخرى, كل شييء تم تفسيره بشكل جميل و بسيط.

أنتوي فيما تبقى من هذا الكتاب أن أريك أن العالم الحقيقي – كما يُفهم علمياً – ينطوي على سحره الخاص. السحر الشِعري كما أسميه. جمالٌ ملهم هو الأكثر سحراً, لأنه حقيقي و لأننا نستطيع أن نفهم كيف يعمل. التعويذات فوق الطبيعية و الخدع المسرحية تبدو تافهة و رخيصة إذا قورنت بسحر و جمال ذلك العالم الحقيقي. "سحر الحقيقة" ليس خارقاً للطبيعة و ليس خدعة, لكنه ببساطة رائع و حقيقي. رائعٌ لأنه حقيقي.


Thursday, January 26, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الأول - الجزء الثاني

ترجمة

"سحر الحقيقة. كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"

تأليف "ريتشارد دوكنز"
الرسومات التوضيحية ل "ديف ماكين"
ترجمة "أحمد حجاج"

الفصل الأول - المقطع الثاني

النماذج: وضع مخيلاتنا تحت الاختبار

هناك طريقة أقل شيوعاً يستخدمها العلماء لاستنتاج الحقائق عندما تَقصُر حواسنا الخمس عن ادراكها بشكل مباشر. و ذلك من خلال مثال - قابل للاختبار- يمكِّنُنا من تخيل, أو بالأحرى تخمين ما يحدث. وهو ما ندعوه "نموذج". هذا النموذج يجعلنا نستنتج (عن طريق بعض العمليات الحسابية) ما كان يُفترض بنا رؤيته أو سماعه (باستخدام أدوات القياس) لو كان هذا النموذج صحيحاً. لاحقاً, نتأكد اذا ما كان هذا ما نراه حقاً. أحياناً ما يكون النموذج حرفياً نسخةمصنوعة من الخشب او البلاستيك, و أحياناً يكون مجموعة عمليات حسابية على الورق, و قد يكون محاكاة على الحاسب. نراقب النموذج بعناية لنستنتج ما يُفترض بنا رؤيته (أو سماعه..الخ) بحواسنا (ربما بالاستعانة ببعض الأدوات) لو كان النموذج صحيحاً. ننظر بعدها لنرى ان كانت التوقعات صحيحة أم خاطئة. ان كانت صحيحة, فهذا يزيد من ثقتنا بأن النموذج يحاكي الواقع ومن ثًمَّ نمضي في اجراء مزيد من التجارب, و ربما حَسَنَّا النموذج لاختبار نتائج تلك التجارب و تأكيدها. أما اذا كانت توقعاتنا خاطئة فنُنَحّي النموذج جانباً أو نعدِّله و نُكرر المحاولة .

اليكم مثال. نحن نعلم الآن أن الجينات – وحدات الوراثة - مكونة من مادة تدعى "DNA". نعلم الكثير عن ال "DNA" و كيفية قيامها بوظيفتها. لكن لا يمكننا - حتى بالاستعانة بميكروسكوب قوي - رؤية كيف تبدو تفاصيل ال "DNA". كل ما نعرفه تقريباً عن ال "DNA" أتى بشكل غير مباشر عن طريق تخيل نماذج و من ثَمّ اختبارها.
في الحقيقة,و حتى قبل أن يسمع أحد بال "DNA" كان العلماء يعرفون الكثير عن الجينات عن طريق اختبار توقعات "النماذج". في القرن التاسع عشر, قام راهب نمساوي يُدعَى "جريجور مِندل" باجراء تجارب في حديقة الدير عن طريق استنبات البازلاء بكميات كبيرة. قام مِندل بعدّ النبتات التي أزهرت بألوان متعددة أو تلك التي أنبتت ثمرات بازلاء مُجعّدة أو سويّة على مرّ الأجيال. لم يحدث ان قام مِندل برؤية أو لمس جين. كل ما حدث أنه رأى ثمرات و أزهار بازلاء, و استخدم عينيه ل"عدّ" الانواع المختلفة. لقد اخترع نموذجاً اشتمل على ما نسميه الآن بال"جينات" (على الرغم من أن مِندل لم يُسَمِّها كذلك) و قام بحساب أنه ان كان النموذج صحيحاً, ففي تجربة استنبات معينة يجب أن ينتج عدد من الثمرات السويّة يفوق قريناتها المجعدة بثلاث مرات. و كان هذا ما وجده عندما قام بعدّها. بغض النظر عن التفاصيل, فمربط الفرس أن جينات "مِندل" كانت من اختراع خياله: لم يرها بعينيه ولا حتى بميكروسكوب. لكنه رأى ثمرات بازلاء سويّة و أخرى مجعدة, و بِعَدِّها وجد دليلاً غير مباشر على أن نموذجه للوراثة كان تمثيلاً جيداً لشيءٍ ما في عالم الواقع. لاحقاً, استخدم العلماء تعديلاً على طريقة مِندل, بالعمل على كائنات حية أخرى كذبابة الفاكهة بدلاً من البازلاء, و ذلك لاثبات ان الجينات تنتظم بترتيب محدد بطول خيوط تُدعى الكروموسومات (لدينا نحن البشر 46 كروموسوماً بينما تمتلك ذبابة الفاكهة ثمانية). وقد أمكنهم باختبار النماذج استنتاج الترتيب الذي انتظمت به الجينات بطول الكروموسومات. كل هذا تم انجازه قبل معرفة ان الجينات تتكون من ال "DNA" بوقت طويل.

نعلم هذا الآن, و نعلم كيف يعمل ال"DNA" تحديداً. يرجع الفضل في ذلك الى جيمس واطسون و فرانسيس كريك, و علماء آخرين كُثر جاؤوا فيما بعد. لم يكن بامكان واطسون و كريك رؤية ال "DNA" بأعينهم. مرةً أخرى, قاموا باكتشافاتهم عن طريق تخيل النماذج و اختبارها. في حالتهم, قاموا حرفياً ببناء نماذج من المعدن و الكرتون المقوى تحاكي ما قد يكون عليه ال"DNA", و قاموا بحساب المقاييس المحددة المتوقَع وجودها حالَ كونِ هذه النماذج صحيحة. توقعات أحد النماذج – ذلك المدعو "اللولب المزدوج"- وافقت بدقة المقاييس التي وضعها روزاليند فرانكلين و موريس ويلكينز باستخدام أدوات خاصة كان من ضمنها تسليط أشعة اكس على بلورات "DNA" منقّاة. لم يستغرق الأمر طويلاً قبل أن يدرك واطسون و كريك أن نموذجهما لبنية ال"DNA" يستطيع اخراج ذات النتائج التي رآها "جريجور مِندل" في حديقة الدير.

اجمالاً, نستطيع تحديد ما هو حقيقي باحدى ثلاث طرق. اما أن ندركه بشكل مباشر عن طريق حواسنا الخمس. أو بشكل غير مباشر عن طريق حواسنا مدعومةً بأجهزة خاصة كالتليسكوبات و الميكروسكوبات. أو حتى بشكل أقل مباشرةً عن طريق بناء نماذج لما "قد" يكون حقيقياً, ثم وضع تلك النماذج تحت الاختبار لنرى ان كانت تستطيع أن تتوقع الأشياء التي نراها (أو نسمعها. الخ) بمساعدة الأجهزة أو بغيرها. على أي حال, ينتهي الأمر بالمشاهَدات عند حواسنا بشكلٍ أو بآخر.

هل يعني هذا أن الحقيقة تقتصر على الأشياء التي يمكن ادراكها بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق حواسنا و الطرق العلمية؟ ماذا عن أشياء كالغيرة و الابتهاج, السعادة و الحب؟ أليست حقيقية بدَورِها؟
بلى. لكن رغم كونها حقيقية, فهي تعتمد في وجودها على العقول: العقول البشرية بالتأكيد, و ربما عقول الأنواع المتقدمة من الحيوانات كالشمبانزي و الكلاب و الحيتان أيضاً. الصخور لا يمكنها أن تبتهج أو تحس بالغيرة, و الجبال لا تُحب. هذه المشاعر تبدو حقيقية بشكل كبير لمن يشعر بها. لكنها لم توجد قبل وجود العقول ذاتها. مشاعر كهذه – و ربما مشاعر أخرى, نكاد لا نتخيل وجودها – قد توجد على كواكب أخرى, فقط لو حملت تلك الكواكب على ظهورها بعض العقول, أو حتى أشياء شبيهة بالعقول, فلا أحد يعلم ما قد يتوارى في جوانب هذا الكون من أعضاء التفكير أو أجهزة احساس.

Sunday, January 22, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الأول - الجزء الأول

ترجمة
"سحر الحقيقة. كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"

تأليف "ريتشارد دوكنز"
الرسومات التوضيحية ل "ديف ماكين"
ترجمة "أحمد حجاج"

الفصل الأول - المقطع الأول

الشيء الحقيقي هو الشيء الموجود. يبدو ذلك بديهياً. أليس كذلك؟ في الواقع, لا. فهناك العديد من الاستثناءات. ماذا عن الديناصورات, التي كانت موجودة في السابق لكنها لم تعد كذلك؟ ماذا عن النجوم البعيدة لدرجة أنها ربما تكون قد فنيت خلال الوقت الذي استغرقه ضوؤها للوصول الينا؟

سنأتي على ذكر الديناصورات و النجوم لاحقاً. لكن عموماً, كيف نؤكد وجود الأشياء حتى في الوقت الحاضر؟ حسناً, تلعب حواسنا الخمس– النظر, الشم, اللمس, السمع و التذوق - دوراً هاماً في اقناعنا بحقيقة وجود كثير من الأشياء: من الصخور و الجِمال. الى رائحة العشب المجزوز حديثاً و البن المطحون الطازج. الى ملمس ورق الصنفرة و المخمل, صوت الشلالات المائية و جرس الباب, و حتى السكر و الملح. لكن.. هل سيكون ادراكنا للأشياء بأحد حواسنا الخمس بشكل
مباشر هو السبيل الوحيد للجزم بوجود هذه الأشياء؟

ماذا عن مجرة بعيدة جداً لدرجة أنها لا تُرى بالعين المجردة؟ ماذا عن البكتيريا, التي يحول صغرها المتناهي دون رؤيتها بدون ميكروسكوب قوي؟ هل يجب أن نقول أن هذه الأشياء غير موجودة لمجرد أننا لا نستطيع رؤيتها؟ لا. من الواضح أننا نستطيع تحسين حواسنا باستخدام معدات خاصة. التليسكوبات للمجرة و الميكروسكوبات للبكتيريا. لأننا نعلم ما هية التليسكوبات و الميكروسكوبات و كيفية عملها, نستطيع استخدامها في توسيع آفاق حواسنا – حاسة البصر في هذه الحالة – و ما تساعدنا على رؤيته يقنعنا بوجود المجرات و البكتيريا.

ماذا عن الموجات الاذاعية؟ هل هي موجودة؟ لا تستطيع أعيننا ولا آذاننا ادراكها, لكن مجدداً تستطيع بعض المعدات الخاصة – أجهزة التليفزيون على سبيل المثال – تحويلها الى اشارات نستطيع رؤيتها و سماعها. لذا, على الرغم من أننا لا نستطيع رؤية أو سماع الموجات الاذاعية, نعرف أنها حقيقية. فكما هو الحال مع التليسكوبات و الميكروسكوبات, نفهم كيفية عمل موجات الراديو و التليفزيون. و التي بدورها تساعد حواسنا على بناء صورة ما هو موجود حقاً: العالم الواقعي. التليسكوبات المعتمدة على الموجات – وتلك التي تعتمد على آشعة اكس - ترينا النجوم و المجرات من خلال ما يبدو كأنه عين مختلفة: وهي طريقة أخرى لتوسيع مداركنا عن الحقيقة.

عودة الى الديناصورات. كيف لنا أن نعرف أنها دبت على الأرض ذات يوم في حين أننا لم نرها أو نسمعها أو نضطر للفرار منها من قبل؟. للأسف ليس لدينا آلة زمن لنلمس وجودها بشكل مباشر. لكن هنا يبرز امتداد مختلف لحواسنا. انها الحفريات, و التي يمكن أن نراها بأعيننا المجردة. الحفريات لا تضج بالحياة. لكن لأننا نفهم كيفية تكونها, فهي تخبرنا عن بعض أشياء وقعت منذ ملايين السنين. فنحن نفهم كيف يتسرب الماء حاملاً المعادن المذابة الى الجثث المطمورة تحت طبقات من الطمي و الصخور. نفهم كيف تتبلّور المعادن متحررةً من الماء لتحل محل عناصر الجثة ذرة بذرة, تاركةً أثر الحيوان الأصلي مطبوعاً على الحجر. لذا, على الرغم من أننا قد لا نستطيع ادراك الديناصورات بواسطة حواسنا بشكل مباشر, يمكننا استنتاج أنها وُجِدَت ذات يوم.و ذلك بفضل دليل غير مباشر يصل ادراكنا بالنهاية عبر الحواس. ألا و هو لمس الآثار المتحجرة للحيوات القديمة.

في سياق آخر. التليسكوب يمكن اعتباره – بشكل ما - آلة زمن. في الحقيقة عندما ننظر الى شيء ما, فان ما نراه هو "ضوء". و الضوء يحتاج وقتاً لينتقل. حتى عندما تنظر الى وجه صديقك, فانك تراه في الماضي. لان الضوء يستغرق جزءاً متناهياً في الصغر من الثانية لينتقل من وجه صديقك الى عينك. الصوت ينتقل بشكل أبطأ كثيراً, ولهذا السبب هناك فارق زمني ملحوظ بين "رؤية" انفجار الألعاب النارية في السماء و "سماع" صوت الانفجار. حتى عندما ترى رجلاً يقطع شجرة على البُعد, يصلك صوت ضربة الفأس متأخراً بشكل ملحوظ.

الضوء ينتقل بشكل سريع جداً لدرجة أننا نفترض أن أي شيء نراه يقع في نفس لحظة رؤيتنا له. لكن الأمر يختلف بالنسبة للنجوم. فحتى الشمس تقع على بُعد ثماني دقائق ضوئية. فلو انفجرت الشمس, سيستغرق هذا الحدث الكارثي ثماني دقائق حتى يصبح جزءاً من واقعنا. و ستكمُن فيه نهايتنا! بالنظر لأقرب النجوم " بروكسيما سنتوري", اذا ما نظرت اليه عام 2011 فان ما ستراه هو ما كان عليه عام 2007. المجرات هي مجموعات ضخمة من النجوم. مجرتنا تُدعى "درب اللَبانة". عندما تنظر الى أقرب جيران "درب اللبانة" و هي مجرة "أندروميدا", فان تليسكوبك هو آلة زمن تسافر بك مليونين و نصف المليون سنة الى الوراء. هناك تجمع من خمس مجرات – متداخلة بشكل مذهل - يدعى "خماسية ستيفان" يمكن رؤيته بواسطة تليسكوب هابل. لكن في الحقيقة هذا التداخل يحدث في وقت يسبق حاضرنا ب 280 مليون سنة. لو كان هناك مخلوقات فضائية تعيش على أحد هذه المجرات المتداخلة و لديها تليسكوبات قوية بشكل كافي لترانا, فان ما ستراه في هذه اللحظة على كوكبنا سيكون الأسلاف الأولى للديناصورات.

هل هناك فعلاً كائنات غريبة في الفضاء الخارجي؟ نحن لم نر أو نسمع أياً منهم. هل هم جزء من الواقع؟ لا أحد يدري. لكننا نعلم ما هي الأدوات التي ستعلمنا بوجودهم يوماً ما – ان كانوا موجودين -. لو تمكننا بشكل ما من الاقتراب من مخلوق فضائي, ستدرك أعضاؤنا الحسية ذلك. يوماً ما, ربما يستطيع أحدهم أن يخترع تليسكوباً قوياً بالشكل الكافي للكشف عن حياة على الكواكب الأخرى. أو ربما يستطيع التليسكوب لاقط الموجات أن يلتقط رسالة لا يخرج مصدرها عن كونه مخلوقات فضائية ذكية. و عليه فان الحقيقة لا تقتصر فقط على الاشياء التي نعلم بوجودها, بل تتضمن أيضاً الأشياء الموجودة و لكننا لم نعلم بوجودها بعد – و لن نعلم بوجودها قبل وقت مستقبلي نستطيع فيه تطوير أدوات أفضل لتساعد حواسنا الخمس –.

لطالما كانت الذرات موجودة, لكننا لم نتمكن من التأكد من وجودها الا مؤخراً. و من المرجح أن يعلم أحفادنا عن كثير من الأشياء التي لا نعلم عنها الآن. تلك هي متعة و تفرد العلم: انه يستمر و يستمر في الكشف عن أشياء جديدة. و لكن ذلك لا يعني أننا يجب أن نصدق أياً ما يتخيله أي شخص: هناك ملايين الأشياء التي قد نتخيلها لكنها لا تمت للحقيقة بأدنى صلة. كالجنيات و العفاريت. علينا أن نتحلى دائماً بتفتح الذهن. لكن لا تصدق بوجود شيء لم يقم عليه دليل.

سحر الحقيقة: مقدمة الناشر و المحتوى

ترجمة
"سحر الحقيقة
كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"

تأليف "ريتشارد دوكنز"
الرسومات التوضيحية ل "ديف ماكين"
ترجمتي "أحمد حجاج"

مقدمة الناشر


السحر قد يأتي في أكثر من صورة. استخدم أسلافنا السحرالخارق للطبيعة لتفسير ظواهر العالم قبل تطوير الوسائل العلمية. فسر قدماء المصريين "الليل" بابتلاع الالهة "نوت" للشمس, بينما اعتقد الفايكينج ان "قوس قزح" ما هو الا معبر الالهة الى الأرض. بدورهم اعتقد اليابانيون أن الزلازل ترجع الى ما أسموه "سمكة السنور العملاقة" التي تحمل العالم على ظهرها – و تحدث الزلازل كلما انزلق العالم باتجاه الذيل -. هذه قصص سحرية و خيالية. على الطرف الآخر, هناك نوع مختلف من السحر يتمثل في نشوة اكتشاف الحقيقة وراء هذه الظواهر. انه سحر الحقيقة. "العلم"

بمزيج من التمعن الذهني, الرسوم التوضيحية الأخاذة و الحقائق المدهشة يقوم كتاب "سحر الحقيقة" بشرح عدد كبير من الظواهر الطبيعية. مم تتكون الأشياء؟ كم يبلغ عمر الكون؟ لم تبدو القارات كقطع لغز متناثرة؟ ما سبب التسونامي؟ إلام يرجع التنوع الكبير في الحيوانات و النباتات؟ من كان أول رجل, أو امرأة؟

هذه الكتاب هو قصة تحرٍ مشوقة, تحفز القاريء ليفكر كعالم بينما تسبر أغوار العلم بحثاً عن الاجابات

ريتشارد دوكنز - أشهر عالم أحياء تطوري و أحد أكثر دعاة نشر العلوم حماساً – كان قد كرس مشواره المهني لشرح عجائب العلم للقراء البالغين. لكنه الآن و في تحول درامي, قرر- بصحبة الفنان الشهير"ديف ماكين" – تسخير قدراته التوضيحية منقطعة النظيرفي مشاركة العلوم مع القراء من مختلف الأعمار. هذا الكتاب هو كنز لكل من تساءل يوماً عن كيفية عمل الطبيعة. داوكنز و ماكين أنجزا هذا الدليل المُصور لخبايا العالم – و من وراءه الكون – و الذي سيمتع و يعلم لسنوات قادمة.



فصول الكتاب

1. ما الفرق بين الحقيقة...و السحر؟

2. من كان الانسان الأول؟

3. لماذا هناك هذا التنوع الهائل من الحيوانات؟

4. مم تتكون الأشياء؟

5. لماذا هناك ليل و نهار, صيف و شتاء؟

6. ما هي الشمس؟

7. ما هو قوس قزح؟

8. متى و كيف بدأ كل شيء؟

9. هل نحن بمفردنا؟

10. ما هو الزلزال؟

11. لماذا تقع الأحداث السيئة؟

12. ما هي المعجزة؟