Thursday, January 26, 2012

سحر الحقيقة : الفصل الأول - الجزء الثاني

ترجمة

"سحر الحقيقة. كيف نميز ما هو حقيقي بالفعل"

تأليف "ريتشارد دوكنز"
الرسومات التوضيحية ل "ديف ماكين"
ترجمة "أحمد حجاج"

الفصل الأول - المقطع الثاني

النماذج: وضع مخيلاتنا تحت الاختبار

هناك طريقة أقل شيوعاً يستخدمها العلماء لاستنتاج الحقائق عندما تَقصُر حواسنا الخمس عن ادراكها بشكل مباشر. و ذلك من خلال مثال - قابل للاختبار- يمكِّنُنا من تخيل, أو بالأحرى تخمين ما يحدث. وهو ما ندعوه "نموذج". هذا النموذج يجعلنا نستنتج (عن طريق بعض العمليات الحسابية) ما كان يُفترض بنا رؤيته أو سماعه (باستخدام أدوات القياس) لو كان هذا النموذج صحيحاً. لاحقاً, نتأكد اذا ما كان هذا ما نراه حقاً. أحياناً ما يكون النموذج حرفياً نسخةمصنوعة من الخشب او البلاستيك, و أحياناً يكون مجموعة عمليات حسابية على الورق, و قد يكون محاكاة على الحاسب. نراقب النموذج بعناية لنستنتج ما يُفترض بنا رؤيته (أو سماعه..الخ) بحواسنا (ربما بالاستعانة ببعض الأدوات) لو كان النموذج صحيحاً. ننظر بعدها لنرى ان كانت التوقعات صحيحة أم خاطئة. ان كانت صحيحة, فهذا يزيد من ثقتنا بأن النموذج يحاكي الواقع ومن ثًمَّ نمضي في اجراء مزيد من التجارب, و ربما حَسَنَّا النموذج لاختبار نتائج تلك التجارب و تأكيدها. أما اذا كانت توقعاتنا خاطئة فنُنَحّي النموذج جانباً أو نعدِّله و نُكرر المحاولة .

اليكم مثال. نحن نعلم الآن أن الجينات – وحدات الوراثة - مكونة من مادة تدعى "DNA". نعلم الكثير عن ال "DNA" و كيفية قيامها بوظيفتها. لكن لا يمكننا - حتى بالاستعانة بميكروسكوب قوي - رؤية كيف تبدو تفاصيل ال "DNA". كل ما نعرفه تقريباً عن ال "DNA" أتى بشكل غير مباشر عن طريق تخيل نماذج و من ثَمّ اختبارها.
في الحقيقة,و حتى قبل أن يسمع أحد بال "DNA" كان العلماء يعرفون الكثير عن الجينات عن طريق اختبار توقعات "النماذج". في القرن التاسع عشر, قام راهب نمساوي يُدعَى "جريجور مِندل" باجراء تجارب في حديقة الدير عن طريق استنبات البازلاء بكميات كبيرة. قام مِندل بعدّ النبتات التي أزهرت بألوان متعددة أو تلك التي أنبتت ثمرات بازلاء مُجعّدة أو سويّة على مرّ الأجيال. لم يحدث ان قام مِندل برؤية أو لمس جين. كل ما حدث أنه رأى ثمرات و أزهار بازلاء, و استخدم عينيه ل"عدّ" الانواع المختلفة. لقد اخترع نموذجاً اشتمل على ما نسميه الآن بال"جينات" (على الرغم من أن مِندل لم يُسَمِّها كذلك) و قام بحساب أنه ان كان النموذج صحيحاً, ففي تجربة استنبات معينة يجب أن ينتج عدد من الثمرات السويّة يفوق قريناتها المجعدة بثلاث مرات. و كان هذا ما وجده عندما قام بعدّها. بغض النظر عن التفاصيل, فمربط الفرس أن جينات "مِندل" كانت من اختراع خياله: لم يرها بعينيه ولا حتى بميكروسكوب. لكنه رأى ثمرات بازلاء سويّة و أخرى مجعدة, و بِعَدِّها وجد دليلاً غير مباشر على أن نموذجه للوراثة كان تمثيلاً جيداً لشيءٍ ما في عالم الواقع. لاحقاً, استخدم العلماء تعديلاً على طريقة مِندل, بالعمل على كائنات حية أخرى كذبابة الفاكهة بدلاً من البازلاء, و ذلك لاثبات ان الجينات تنتظم بترتيب محدد بطول خيوط تُدعى الكروموسومات (لدينا نحن البشر 46 كروموسوماً بينما تمتلك ذبابة الفاكهة ثمانية). وقد أمكنهم باختبار النماذج استنتاج الترتيب الذي انتظمت به الجينات بطول الكروموسومات. كل هذا تم انجازه قبل معرفة ان الجينات تتكون من ال "DNA" بوقت طويل.

نعلم هذا الآن, و نعلم كيف يعمل ال"DNA" تحديداً. يرجع الفضل في ذلك الى جيمس واطسون و فرانسيس كريك, و علماء آخرين كُثر جاؤوا فيما بعد. لم يكن بامكان واطسون و كريك رؤية ال "DNA" بأعينهم. مرةً أخرى, قاموا باكتشافاتهم عن طريق تخيل النماذج و اختبارها. في حالتهم, قاموا حرفياً ببناء نماذج من المعدن و الكرتون المقوى تحاكي ما قد يكون عليه ال"DNA", و قاموا بحساب المقاييس المحددة المتوقَع وجودها حالَ كونِ هذه النماذج صحيحة. توقعات أحد النماذج – ذلك المدعو "اللولب المزدوج"- وافقت بدقة المقاييس التي وضعها روزاليند فرانكلين و موريس ويلكينز باستخدام أدوات خاصة كان من ضمنها تسليط أشعة اكس على بلورات "DNA" منقّاة. لم يستغرق الأمر طويلاً قبل أن يدرك واطسون و كريك أن نموذجهما لبنية ال"DNA" يستطيع اخراج ذات النتائج التي رآها "جريجور مِندل" في حديقة الدير.

اجمالاً, نستطيع تحديد ما هو حقيقي باحدى ثلاث طرق. اما أن ندركه بشكل مباشر عن طريق حواسنا الخمس. أو بشكل غير مباشر عن طريق حواسنا مدعومةً بأجهزة خاصة كالتليسكوبات و الميكروسكوبات. أو حتى بشكل أقل مباشرةً عن طريق بناء نماذج لما "قد" يكون حقيقياً, ثم وضع تلك النماذج تحت الاختبار لنرى ان كانت تستطيع أن تتوقع الأشياء التي نراها (أو نسمعها. الخ) بمساعدة الأجهزة أو بغيرها. على أي حال, ينتهي الأمر بالمشاهَدات عند حواسنا بشكلٍ أو بآخر.

هل يعني هذا أن الحقيقة تقتصر على الأشياء التي يمكن ادراكها بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق حواسنا و الطرق العلمية؟ ماذا عن أشياء كالغيرة و الابتهاج, السعادة و الحب؟ أليست حقيقية بدَورِها؟
بلى. لكن رغم كونها حقيقية, فهي تعتمد في وجودها على العقول: العقول البشرية بالتأكيد, و ربما عقول الأنواع المتقدمة من الحيوانات كالشمبانزي و الكلاب و الحيتان أيضاً. الصخور لا يمكنها أن تبتهج أو تحس بالغيرة, و الجبال لا تُحب. هذه المشاعر تبدو حقيقية بشكل كبير لمن يشعر بها. لكنها لم توجد قبل وجود العقول ذاتها. مشاعر كهذه – و ربما مشاعر أخرى, نكاد لا نتخيل وجودها – قد توجد على كواكب أخرى, فقط لو حملت تلك الكواكب على ظهورها بعض العقول, أو حتى أشياء شبيهة بالعقول, فلا أحد يعلم ما قد يتوارى في جوانب هذا الكون من أعضاء التفكير أو أجهزة احساس.

No comments:

Post a Comment